زيلنسكي الذي فقد ظله

زيلنسكي : الذي فقد ظله

 

بقلم/ أيمن عقيل

يٌقال في الأثر إن الإنسان يفقد ظله في حالتين: عندما يسير في الظلام، أو عندما يتحول إلى شبح ليس له وجود. لكن الرئيس الأوكراني الحالي، زيلنسكي، الممثل الكوميدي السابق، فقد ظله عندما سلّم بلاده للمجهول، ودفعها إلى حربٍ لا ناقة لأوكرانيا فيها ولا جمل، تاركًا لدول أخرى مهمة تحديد مصير شعبه، ففرضت عليه مواجهة غير متكافئة مع قوة عسكرية ونووية لا يسٌتهان بها وهي الاتحاد الروسي. وتعثرت التنمية في بلاده، وأصبح يتهرب من التزامات بلاده الدولية التي كان يتفاخر بها عندما انتخب رئيسًا.

قد يكون زيلنسكي وصل إلى حكم أوكرانيا من خلال انتخابات ديمقراطية وفقا لأغلب التقارير التي قيمت هذه التجربة، لكن الديمقراطية ليست دواء لكل داء وليست حلا سحريًا للتوقعات المجتمعية بتحقيق الازدهار، هذا ما قالته دراسة صادرة عن المفوضية السامية عن التحديات التي تواجه الديمقراطية. والرجل الذي جاء بنحو 73.2% من إجمالي أصوات الناخبين وبفارق كبير عن منافسه في عام 2019، يرفض في الوقت الحالي إجراء الانتخابات كأنه لم يأت عن طريقها، سواء الانتخابات البرلمانية التي تقررت مسبقًا في أكتوبر 2023، أو الانتخابات الرئاسية حيث انتهت ولاية زيلينسكي التي استمرت 5 سنوات في مايو 2024، والحجة معروفة مسبقًا: هو اعلان الاحكام العرفية.

لا اتمني ان ينظر لهذه الآراء بأنها تمجيدًا لروسيا ورئيسها بوتين، أو انحيازًا لطرف في الحرب الروسية الأوكرانية لأن الحقيقة على عكس ذلك، فيكفي أن تنظر لتكلفة هذه الحرب على أوكرانيا الذي كانت أحد أسبابها من وجهة نظري قرارات مٌندفعة من الرئيس الأوكراني عندما تقرب للغرب على حساب روسيا وطلب الانضمام لحلف شمال الأطلسي" الناتو"، وحجم استخدام اللغة الروسية ودافع عن شيطنة روسيا لصالح الغرب، وهو ما دفع بوتين نفسه ليتهم أوكرانيا علنًا بمحاولة محو الناطقين بالروسية في شرق أوكرانيا.

برغم ان كل ما سبق ليس دافعًا للحرب أو استمراراها، إلا أنه يعطي تصور للكيفية الذي أشعلوا بها وقود أوكرانيا لمواجهة لم تكن قادرة عليها ولا مستعدة لها، فلم يحسن الرئيس الأوكراني استخدام المثل الذي يقول " عندما يكون معك خمس طلقات لا تفتعل ست مشكلات." ربما لأن قائل هذا المثل روسي. فما كان إلا خسائر بالجملة على أوكرانيا. فقدت أوكرانيا وفقًا لأقل التقديرات 400 ألف جندي بين قتيل وجريح. كما وصل عدد النازحين داخليا 3.8 مليون. وتصل تكلفة الحرب وفقا لرئيس لجنة الميزانية البرلمانية الأوكرانية، روكسولانا بيدلاسوفا، نحو 172 مليون دولار، بشكل يومي.

هذا ليس كل شيء، فانتشار الفساد في أوكرانيا، أصبح بمعدلات غير مسبوقة، هذا الفساد الذي طال ظل الرئيس نفسه ورئيس مكتبه الذي امتدت علاقته بالرئيس الأوكراني لسنوات وكان مستشارا قانونيا في شركة كفارتال-95، وهي شركة الإنتاج التلفزيوني التي أسسها زيلينسكي. ففي 28 نوفمبر 2025 اجري مسؤولي مكافحة الفساد عمليات تفتيش لشقة ومكتب يرماك. ومن ثم أعلن زيلنسكي أن يرماك قد قدم استقالته. نتيجة التحقيقات في مخطط الرشوة المزعوم بقيمة 100 مليون دولار من شركة “إنيرغواتوم" وهي المجموعة المشغّلة لمحطات الطاقة النووية الأوكرانية. وبحسب المعلومات المتاحة تم استخدام جزء من هذه الأموال لبناء أربعة منازل فاخرة، وباهظة الثمن خارج العاصمة كييف. بما في ذلك منزلاً مخصصا ليرماك نفسه.

الأمر لم يتوقف عند التكلفة البشرية والاقتصادية للحرب على اوكرانية ولا على الفساد الذي انتشر كالنار في الهشيم، لكن الرجل اصبح يتهرب حتى من التزامات بلاده الدولية. فقد انسحبت أوكرانيا من معاهدة حظر الألغام لعام 1997 بشكل أحادي وأصبحت أوكرانيا تعتمد على مرتزقة أجانب، كما تقوم بتجنيد الأطفال وتدريبهم على استخدام الطائرات المسيرة وجمع المعلومات كاستراتيجية لتعويض النقص في عدد القوات. فهل بعد كل ما سبق ذكره لا يحق لنا أن نقول إن الرئيس الأوكراني هو مثالًا للرجل الذي فقد ظله؟

تم إغلاق التعليقات.