بقلم/ أيمن عقيل
كان عامًا شاقًا ومرهقًا، ولكنه في الوقت نفسه منحني دروسًا لا تُقدر بثمن، وصدق القول: من المحن تأتي المنح. ولا يخفى على أحد واقع إقليمنا أو عالمنا اليوم، وهو واقع الحروب والنزاعات، والمجاعات، والظروف الإنسانية التي لا تُرضي أحدًا في أوكرانيا والسودان والصومال وسوريا واليمن وغيرهم من الدول ولا نملك إلا السعي للأفضل. نعم، نحن مأمورون بالسعي حتى في أصعب الأوقات. و يُقال إن القبطان الماهر يُعرَف في العاصفة، وإن الأعمال العظيمة تُكتَب في الأوقات الصعبة لا في لحظات الهدوء والترف.
ولو كان لي أن أقسم العام الذي مضى لقسمته لثلاثة مستويات تفاعلتُ معها: مهنيًا، وشخصيًا، ووطنيًا. مهنيًا ومع التحديات التي واجهت المؤسسة التي أرأسها، إلا أن مؤسسة ماعت ولله الحمد حققت نجاحات عديدة، وتخطت صعابًا لا يمكن إغفالها، واستطاعت أن تكون رقمًا صعبًا في معادلة المنظمات الإقليمية والعربية. ولعل استعانة خبراء الأمم المتحدة وأعضاء لجان المعاهدات بتقارير ماعت للآليات الدولية خير مثال على ما أقول. وأسعدني بشكل شخصي النجاح الذي حققته المؤسسة في اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب.
لذلك أشكر زملائي في ماعت الذين تحمَّلوا تحديات وصعابًا لا حصر لها، وآمنوا بأننا قادرون على تجاوزها معًا، مقتنعين بأن قوتنا بالفعل في وحدتنا. وأدعوهم أن يُبدعوا ويبتكروا في عالمٍ لن يرحم الكُسالى، وأن يُدركوا أن الإنجازات تُصنَع من الإخلاص في العمل، ومن عقول تٌفكر خارج الصندوق، ومن فريقٍ لا يستسلم. وأن يدركوا أن الأهم من القول هو العمل.
علي المستوي الشخصي كان عام 2025 عامًا لعِظات لا تنتهي، وعثرات بعضها دفعني للتفكير بحكمة، فأنا أؤمن أن لكل شيء سبب لذلك تعلمت التريث والتأني في خطواتي وألا استعجل قراراتي. وتعلَّمتُ أن الثقة الغالية لا يمكن أن أمنحها إلا لمن يستحقها. الحياة تدهشك بمنطقها المُخالف؛ فإذا لهثت وراءها هربت منك، لكننا نظل مأمورون بالسعي في الحياة.
لذلك سأظل استمتع بالأشياء الجميلة التي بقيت معي و اصطحبها معي في عامي الجديد وسألتزم بعدد أقل من العادات السيئة في كل صباح واتمسك بأصدقائي المعدودين والباقيين من عشرة السنين و سأحدد أولوياتي بدقة أكثر .
أما وطنيًا فكانت الحرب علي غزة شاهدةً على استعادة مصر لريادتها ومكانتها الإقليمية، وكذلك توسَّطت مصر حول البرنامج النووي الإيراني، الذي أدّى إلى إعلان القاهرة. كما دعمت القوات المسلحة السودانية سياسيًا في حربها مع ميليشيا الدعم السريع، ورسمت خطوطًا حمراء لا يمكن التنازل عنها، لارتباطها بالأمن القومي المصري. وفي ليبيا لم تيأس مصر من الدعوة إلى انتخاباتٍ رئاسية، مُعطَّلة بفعل فاعل.
وفيما يخص البُعد الأفريقي، ظلَّت مصر مُهتمةً بالقرن الأفريقي مستقرًا وهادئًا، وعززت علاقتها مع الصومال وإريتريا، وكشفت زيف طموحات إثيوبيا. وقد قلتُ في مقالٍ سابق: إذا غدرت إثيوبيا وفت بعهدها، فمن عهدها ألّا يدوم لها عهد. ولكني أدعو للتيقُّظ لهذه الدولة المارقة التي تكره قيادتها المصريين. وبدلًا من أن تختار التعاون والتصرُّف بحكمة، اختارت الصدام والخصام، غير مُدركين حب المصريين لوادي النيل، الذي بُحَّ صوتهم بالتهليل والتكبير له، وغنّى له الكينج منير: ولا بـ يوصل ولا بيتوه، ولا بـ يرجع ولا يغيب، النيل سؤال وما زال ما جاش عليه الرد، من قد إيه والخير ما قلِّش عمره لحد سهران يوشوش ناي، والحلم رايح جاي قبالة على الشطين.
وداخليًا، فضَّل الرئيس عبد الفتاح السيسي التدخل بحكمة لإعادة التوازن للعملية الانتخابية من خلال ما وُصفه هو شخصيًا بالفيتو الرئاسي، ليُعالج العوار الذي كاد أن يُصيب العملية الانتخابية بأكملها، داعيًا الهيئة الوطنية للانتخابات إلى فحص الأحداث التي وقعت في بعض الدوائر الانتخابية والطعون المقدَّمة بشأنها، وهو ما استجابت له الهيئة. شتان بين فيتو الرئيس وفيتو مجلس الأمن.
أخيرًا أمل أن تكون سنة 2026 سنة خيرٍ وسعادة على الجميع، وأتمنى أن أرى شعوب العالم قد شُفيت من الحرب، و سلمت من التدمير والكرب، وسادها الحب والسلام. رغم أن ذلك يبدو حلم بعيد المنال ، خاصةً بعد اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، وانهيار النظام الدولي القائم على القواعد الذي أسس عليها بعد الحرب العالمية الثانية، لكني على كل حال لن أفقد الأمل في غد أفضل.
