Mark Carney-Oppressors Have Exceeded the Limits

مارك كارني: جاوز الظالمون المدى

بقلم/ أيمن عقيل

عندما سمعت خطاب مارك كارني، رئيس وزراء كندا، في دافوس، عُدت بالذاكرة إلى دورات مجلس حقوق الإنسان في جنيف، وإلي البيانات التي حذرتٌ فيها أنا وزملائي في مؤسسة "ماعت" من الانتقائية في تطبيق القانون الدولي، وازدواجية المعايير، وتسيس المجلس بصفة خاصة ومؤسسات الأمم المتحدة بشكل عام. لم يذكر مارك كارني أمورًا لم نكن نعلمها، بل على العكس هناك أكثر مما قاله، لكن الرواج الكبير لخطابه سببه أنه ولأول مرة يخرج مسؤول غربي بهذه الشجاعة ليقول الحقيقة التي اصبح عليها النظام الدولي. والأكثر من ذلك ان خطاب كارني يقٌدم البديل الذي ان تحقق سيؤدي إلى تعديل الكفة وتغيير موازين القوي.

لقد كتبت في 5 ديسمبر 2023 مقالًا بعنوان "هل يخاطر الغرب بوفاة القانون الإنساني الدولي" على وقع ما كان يشهده قطاع غزة من جرائم سلطة الاحتلال الإسرائيلي، وقلت بوضوح إن القانون الإنساني الدولي يخبرنا أنه بما أن الحروب ستقع لا محالة، يمكننا تخفيف الأضرار الناجمة عن هذه الحروب بتنحية المدنيين جانبًا وألا يكونوا هدفًا للأعمال العسكرية، اتباعًا لمبادئ التناسب والضرورة. وإن الالتزام بهذه المبادئ لم يعد ترفًا، بل أصبح ضرورة للدول الغربية قبل أي تكتل جغرافي آخر، لأن هذه القوانين أُنشئت في الأصل بعد حروب كان الغرب هو ضحيتها. كان ذلك إعلان موقف وصرخة صامتة لما توقعناه وحذرت منه لإن الحقائق كانت عارية امامنا دون أي خجل.

لقد تذكرت العبارة الشهيرة التي رددها الفنان القدير عماد حمدي في فيلم "ثرثرة فوق النيل"، رائعة أديب نوبل نجيب محفوظ، وهي: "الفلاحة ماتت ولازم نسلم نفسنا". تخيلت هذه العبارة وأنا أسمع خطاب رئيس وزراء كندا مارك كارني، وكأنّه يقول: "النظام الدولي مات ولازم نسلم نفسنا".

قال كارني نفس الكلام ضمنيًا، علينا أن نكون صرحاء إذا أردنا أي إصلاح او صلاح او مجتمعات تحترم التعددية وحقوق الإنسان، وترفض ان يكون الظلم شريكًا في تصرفات القوة الاستعمارية، وتذكرت قول الشاعر المصري: "لقد جاوز الظالمون المدى"، وتخيلت أن كارني المصرفي الذي تولي رئاسة البنك المركزي الكندي، والخبير المصرفي الكفء يقول لنا: "جاوزت القوة الاستعمارية المدى"، بعد سنوات من نثر القصيدة من قبل الشاعر المصري الراحل علي محمد طه.

بقدر ما كان خطاب كارني، رئيس وزراء كندا، كاشفًا لزيف المبادئ الغربية في تعاملها مع النظام الدولي القائم على القواعد وفي القلب منه القانون الدولي، بقدر ما يمكن أن يضعنا أمام حقيقة مفادها أن النظام الدولي ومؤسساته التي أنشأها الغرب نفسه، معرضة للانهيار. وإنقاذه ليس سهلاً، لكن إيجاد بديل له أصبح أمرًا مهمًا، وهو ما أسماه مارك كارني مسارًا ثالثًا قائمًا على احترام القيم، وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة، اعتبر كارني في خطابه ان ذلك سيكون أفضل وأعدل.

لقد أسس كارني خطابه على أساس مفاده أن الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، بينما يضطر الضعفاء لتحمل ما يُفرض عليهم. وأن هذا النظام الذي أنشأه الغرب ودار في فلكه كان يخدم في الأساس مصالحه دون النظر إلى مصالح القوى الأضعف التي ارتضت بهذه القواعد، لقد انتقد كارني استخدام التعريفات الجمركية كوسيلة للضغط على الدول، ويقصد الولايات المتحدة رغم أنه لم يشر إليها صراحة في خطابه. وكان لذلك رد من قبل ترامب نفسه عندما سحب الدعوة التي أرسلها إلى كندا للانضمام إلى مجلس السلام. لتكون كندا خارج المجلس، ومعها عددًا من الدول الأوربية (باستثناء المجر وبلغاريا حتى تاريخه). يدرك القادة الأوروبيون أن الانضمام للمجلس سيفضي بلا شك إلى إضفاء شرعية على نظام ترامب الذي يعيدهم لقرون سابقة، حيث القوة تصنع الحق ويصبح غزو الأراضي من قبل القوى الاستعمارية شيئًا مشروعًا. لقد وجه مارك كارني نصيحة صادقة للقوى المتوسطة: "لا يمكنكم العيش داخل كذبة"، ودعا هذه الدول صراحةً إلى أن تتصرف معًا من خلال الاقتباس الذي استعان به في خطابه: "إذا لم نكن على الطاولة، فنحن على قائمة الطعام".

لم تكن القنبلة التي ألقاها مارك كارني في وجه الجميع في دافوس تحتوي فقط علي بارود او شظايا، لكنها حملت أيضا الأمل فقد طرح رئيس الوزراء الكندي مسارًا ثالثًا، تقوده الدول التي ترفض الهيمنة، وهو مسار قائم على القيم واحترام حقوق الإنسان والتنمية المستدامة والسياسة والتضامن والاستقلال. إن قدرة الدول الأوروبية والغربية على التنصل من تبعية أمريكا، وترجمة الأقوال إلي أفعال رهان صعب، لكنه لو تحقق، سيعدل الكفة ويغير موازين القوى في العالم، وقد يٌجبر ذلك ترامب نفسه على التراجع عن أفكاره، فترامب لا يحترم خصما ضعيفًا علي كل حال.

تم إغلاق التعليقات.